ابو القاسم عبد الكريم القشيري

426

لطائف الإشارات

كفاها أسباب ما احتاجت إليه من أكلها وشربها ، وسكّن من خوفها ، وطيّب قلبها . « فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً » : فلا تخاطبيهم وعرّفيهم - بالإشارة - أنّك نذرت للرحمن الصمت مع الخلق ، وترك المخاطبة معهم . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 27 إلى 28 ] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) بسط قومها فيها لسان الملامة لما رأوها قد ولدت - وظاهر الحال كان معهم - فقالوا لها على سبيل الملامة : يا من كنا نعدّك في الصلاح بمنزلة هارون المعروف بالسداد والصلاح . . من أين لك هذه الحالة الشنعاء ؟ ويقال كان أخوها اسمه هارون : ويقال كان هارون رجلا فاسقا في قومهم ، فقالوا : يا شبيتهه في الفساد . . ما هذا الولد ؟ ويقال كان هارون رجلا صالحا فيهم فقالوا : يا أخت هارون ، ويا من في حسابنا وظنّنا ما كان أبواك فيهما سوء ولا فساد . . كيف أتيت بهذه الكبيرة الفظيعة ؟ ! قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 29 ] فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) في الظاهر أشارت إلى الولد ، وفي الباطن أشارت إلى اللّه ، فأخذهم ما قرب وما بعد وقالوا : كيف نكلّم من هو أهل بأن ينوّم في المهد ؟ !